محمود توفيق محمد سعد

269

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

وصحبه وسلّم تسليما كثيرا ، وتبيان لأنّ ما كان منه صلّى اللّه عليه وسلّم إنّما هو مراعاة ما فيه صالح الأمة كلّها ، فقدم نفع الأمة على نفع واحد منها فإنّ أولئك الصناديد إذا ما دخلوا في الإسلام أو بعضهم كان في دخولهم نفع للإمة من جهة ولعبد اللّه بن أم مكتوم نفسه رضي اللّه عنه ثانيا من أنّه يأمن شرهم وكان من البقاعي إشارة إلى تناظر الالتفات من الخطاب الذي يقتضيه ظاهر الحال إلى الغيبة ثمّ من الغيبة إلى الخطاب ، ومع ذلك الالتفات من صيغة الفعل المجردة في ( عبس ) إلى صيغة ( التفعّل ) في ( تولى ) فذلك كلّه قائم إلى الإبانة عن عظيم شأن النبيّ صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا . وغير خفي أن العدول عن صيغة التجريد في الفعل ( عبس ) إلى صيغة الزيادة ( التفعيل ) في ( تولى ) ليس من الالتفات الاصطلاحيّ عن البلاغيين المتأخرين ، ولكنّه من باب العدول من شيء إلى آخر لمعنى ومقتض . * * * ومن النظم التركيبيّ ما يعرف عند البديعيين باللف والنشر وأنت إذا ما دققت التأمل في أساليب التحسين البديعي رأيت كثيرا منها مرجعه إلى النظم التركيبيّ أو الترتيبيّ ، وإن اختلفت جهة النظر إليه فاختلفت مناهج التأويل . البقاعيّ معنىّ بضرب من ضروب اللف والنشر هو اللف والنشر المعكوس الذي يكون فيه الرابع للأول والثالث للثاني ، وهو يسميه اللف والنشر المشوّش ، وهي تسمية غير دقيقة ، وليس في البيان القرآنيّ إلا ضربان من النشر : * المرتب على وفق ترتيب اللف : المقدم في النشر للمقدم في اللف ، والمؤخر في النشر للمؤخر في اللف على ترتيبه * والمرتب على عكسه وليس فيه نشر مختلط والذي يمكن تسميته مشوّشا . المهم أنّ اللف والنشر وإن كان من المحسنات البديعية عند المتأخرين وهو مما انتبه إليه الأقدمون منذ المبرد « 1 » فإنّه داخل في النظم التركيبي .

--> ( 1 ) - يقول المبرد : " والعرب تلف الخبرين المختلفين ثمّ ترمي بتفسيرهما جملة ثقة بأنّ السامع يردّ إلى كلّ خبره " ( الكامل : 1 / 75 ) ويقول : ( العربي الفصيح الفطن اللقن يرمي بالقول مفهوما ، ويرى ما بعد ذلك من التكرير عيّا ، قال اللّه جلّ جلاله وله